جان لوئيس بوركهارت
156
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
وذلك حكمي عليها حتى شقرة على الأقل . فقل أن مر بنا يوم لم نصادف فيه شجرا وماء قبل شقرة ، والشجر في هذا الطريق أوفر منه في طريق القوافل من حلب إلى بغداد أو من دمشق إلى المدينة المنورة . وقد لا يبعث انبساط بادية الشام في النفس من الرهبة ما تبعثه صخور الصحراء النوبية الجرداء الوعرة ، ولكن لصحراء النوبة ميزة التنوع على الأقل . ولما كنا قد بكرنا في الوصول إلى محطنا بوادي طرفاوى ، فقد أرسلنا الجمال إلى واد جانبي يقع على مسيرة ساعة ونصف لاستقاء بعض الماء من بركة بالمكان ، وماء البركة ضارب إلى الملوحة ، ولعله لم يتخلف عن المطر فحسب بل نبع من عين في قاعها . وعادت إلينا الإبل بعد الظهر بقليل . وذبح القوم اليوم بعيرا آخر أيقنوا أنه عاجز عن متابعة السير ، وسرعان ما تكاثرت حول جثته النسور التي يسمونها الرخم لتصيب حظا من لحمه . واشتجر اليوم خبراؤنا العبابدة مع الدراويين طمعا في ابتزاز مزيد من المال منهم ، ولم يسؤني هذا الشجار ، ورجوت من ورائه توطيدا للعلاقات بيني وبين العبابدة ، وعللت نفسي بأننا قد نتحالف معا على هذا الخصم المشترك . واستأنفت القافلة السير حوالي الساعة الرابعة بعد الظهر ، وفيما نحن نرحل عن المكان أقبل الأعرابي الذي يحمل قربى الأربعة ، وسلمني أكبرها وهو يزعم لي أن جمله عاجز عن حملها فوق ما حمل . فأعددت قربتين صغيرتين أفرغت فيهما ماء القربة الكبرى وربطتهما بالحبال ثم وضعتهما على ظهر الحمار . وما إن فرغت من هذا كله حتى كانت القافلة قد سبقتني شوطا بعيدا ، فاقتفيت آثارها في الرمال ، ولم أستطع اللحاق بها إلا بعد الغروب . في مأزق كهذا تمس الحاجة لخادم أو رفيق ، لأن الجلابة قوم لا يعرفون العطف على رفيق يعاني ضيقا أو شدة . وسرنا في المساء ست ساعات فوق أرض محجرة ، ثم نزلنا ليلا بواد معشوشب يدعى وادى كوع ، وكان سيرنا جنوبا بشرق . 16 مارس - استرحنا بالوادي ساعات ثم عاودنا السير فوق سهل رملى ، وكانت الجبال الشاهقة تتراءى في أقصى الشرق . وبعد ثلاث ساعات نزلنا بوادي صفيحة ، ولا تستطيع أن تسميه واديا إلا تجوزا ، فما هو إلا شرايط من أرض منخفضة تمتد في عرض السهل حيث يتجمع ماء المطر ، فيقوم فيها بعض الشجر ولا